ابن بطوطة

146

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وفي اليوم الثالث دخلنا المدينة الثالثة ، ويسكنها المسلمون ، ومدينتهم حسنة وأسواقهم مرتبة كترتيبها في بلاد الإسلام ، وبها المساجد والمؤذنون ، سمعناهم يؤذنون بالظهر عند دخولنا ونزلنا منها بدار أولاد عثمان بن عفان المصري ، وكان أحد التّجار الكبار استحسن هذه المدينة فاستوطنها ، وعرفت بالنسبة اليه وأورث عقبه بها الجاه والحرمة ، وهم على ما كان عليه أبوهم من الإيثار على الفقراء والإعانة للمحتاجين ، ولهم زاوية تعرف بالعثمانية ، حسنة العمارة لها أوقاف كثيرة ، وبها طائفة من الصوفية ، وبنى عثمان المذكور المسجد الجامع بهذه المدينة ، ووقف عليه وعلى الزاوية أوقافا عظيمة وعدد المسلمين بهذه المدينة كثير وكانت إقامتنا عندهم خمسة عشر يوما فكنا كل يوم وليلة في دعوة جديدة ، ولا يزالون يحتفلون في أطعمتهم ويركبون معنا كلّ يوم للنزهة في أقطار المدينة . وركبوا معي يوما فدخلنا إلى المدينة الرابعة وهي دار الإمارة وبها سكنى الأمير الكبير قرطى . ولما « 78 » دخلنا من بابها ذهب عني أصحابي ولقيني الوزير وذهب بي إلى دار الأمير الكبير قرطي فكان من أخذه الفرجية التي أعطانيها ولي الله جلال الدين الشيرازي « 79 » ما قد ذكرته . وهذه المدينة منفردة لسكنى عبيد السلطان وخدامه وهي أحسن المدن الستّ ، ويشقها أنهار ثلاثة : أحدها خليج يخرج من النهر الأعظم وتأتي فيه القوارب الصّغار إلى هذه المدينة بالمرافق من الطعام وأحجار الوقد ، وفيه السفن للنّزهة ، والمشور في وسط هذه المدينة ، وهو كبير جدّا ، ودار الإمارة في وسطه وهو يحف بها من جميع الجهات ، وفيه سقائف فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة وآلات الحرب . وأخبرني الأمير قرطى أن عددهم الف وستمائة معلّم ، كل واحد منهم يتبعه الثلاثة والأربعة من المتعلمين وهم أجمعون عبيد القان ، وفي أرجلهم القيود ، ومساكنهم خارج القصر ، ويباح لهم الخروج إلى أسواق المدينة دون الخروج على بابها ، ويعرضون كلّ يوم على الأمير مائة مائة ، فان نقص أحدهم طلب به أميره ! وعادتهم أنه إذا خدم أحدهم عشر سنين فكّ عنه قيده ، وكان يخيّر النّظرين إما أن يقيم في الخدمة غير مقيد ، وإما أن يسير حيث شاء من بلاد القان ولا يخرج عنها ، وإذا بلغ سنّه خمسين عاما أعتق من الأشغال وأنفق عليه ، وكذلك ينفق على من بلغ هذه السن أو

--> ( 78 ) قرطى يعرّف على أنه هو لا طاي ( Hu - la - T'ai ) الذي كان قد عيّن نائب مستشار لإقليم شيانك شي Chiang - che عام 1329 بعد أن كان فيما قبل في نفس المنصب في هوكوانگ Hu - Kuang . Beckingham IV , 902 N 47 . ( 79 ) يلاحظ أن الذي أعطاه الفرجية كان سمي جلال الدّين التبريزي وليس الشيرازي IV ، 219 ، وما بعدها . . .